ابن ظهيرة

144

الجامع اللطيف

فائدة : قال ابن حزم التفضيل المذكور لمكة ثابت لعرفة أيضا وان كانت من الحل . فصل واعلم أن لمكة أسماء كثيرة « 1 » قد ذكرها اللّه تعالى في ثمانية مواضع من القرآن العزيز وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى . قال النووي رحمه اللّه : لا يعلم بلد أكثر اسما من مكة والمدينة لكونهما أفضل بقاع الأرض وذلك لكثرة الصفات المقتضية للتسمية . فالأول : مما في التنزيل مكة ، وذلك في سورة الفتح في قوله بِبَطْنِ مَكَّةَ . الثاني : بكة وذلك في سورة آل عمران قوله تعالى لَلَّذِي بِبَكَّةَ واختلف في هذين الاسمين هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين ، فعن الضحاك ومجاهد أنهما بمعنى واحد . وصححه ابن قتيبة محتجا بأن الباء تبدل من الميم كقولهم ضرب لازم ولازب وسبد رأسه وسمده إذا استأصله ، واختلف القائلون بالثاني فقيل بكة بالباء موضع البيت . قاله ابن عباس وإبراهيم النخعي ، وقيل ما بين الجبلين قال عكرمة وقيل الكعبة والمسجد قاله الجوهري وزيد بن أسلم وأما بالميم فقيل القرية ، وقيل الحرم كله ، وقيل ذي طوى ، وقيل ما حوالي البيت واختلف في اشتقاقها ، فقيل سميت مكة لأنها تمك الجبابرة أي تهلكهم وتذهب نخوتهم وأنشدوا في معناه : يا مكة الفاجر مكي مكا * ولا تمكى مذحجا وعكا وقيل إنها تمك الفاجر عنها أي تخرجه ، وقيل إنها تجهد أهلها مأخوذ من قولهم تمككت العظم إذا أخرجت مخه ، والتمكك الاستقصاء . وقيل لأنها تجذب الناس إليها من قول العرب أمتك الفصيل ضرع أمه : إذا امتصه ، ولم يبق فيه شيئا ، وقيل لقلة مائها ، وقيل لأنها تمك الذنوب أي تذهب بها ومكة لا تنصرف للعلمية والتأنيث . وأما بكة فقيل سميت بذلك لأنها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها ما قصدها جبار بسوء إلا قصمه اللّه وقيل لازدحام الناس فيها يبك بعضهم بعضا ، أي يزحمه في الطواف قاله ابن عباس ، وقيل لأنها تضع من نخوة المتكبرين .

--> ( 1 ) انظر في ذلك : شفاء الغرام ج 1 ص 75 وما بعدها ، منائح الكرم ج 1 ص 213 .